Revue Web

ENTRETIENS

مستقبل الفكر في العالم العربي والإسلامي، هل سَيُحَدّد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، مقابلة مع الباحث أحمد سعد زايد

5 mai 2016

ملخص : تتناول هذه المقابلة التيارات الرئيسية الحالية النشطة في العالم العربي والإسلامي وتشير إلى الحاجة الماسة لإحداث تغيير جذري في الفكر والممارسات الثقافية والاجتماعية فيه. فبعد فشل كل مشاريع النهوض بالمنطقة منذ بداية القرن العشرين والمرور بتجربة الربيع العربي القاسية وبداية انهيار المشروع السلفي وانتهائه بحروب طائفية أنهكت المنطقة، فإن هناك عدد من المفكرين والمثقفين الذين بدأوا بالنظر للحالة القائمة بطريقة نقدية مختلفة بهدف الخروج من هذه الأزمة. وبفضل وسائل الاتصال الرقمي أصبح بإمكانهم الوصول إلى لشباب بطريقة لم تكن متاحة لهم في السابق من أجل توعيتهم ودعوتهم للمشاركة في تحول ثقافي جذري من أجل إنجاح الثورات العربية السياسية وإحداث تقدم حقيقي على مستوى التنمية والنهوض بالمنطقة.






  • Imprimer





Masquez la colonne info

 

تعريف بالباحث :

أحمد سعد زايد هو باحث ومفكر مصري من مدينة الإسكندرية. يحمل شهادتين جامعيتين بدرجة بكالوريوس في كل من العلوم السياسية والإقتصاد بالإضافة إلى دبلومين في الشريعة الإسلامية والاقتصاد السياسي، ولديه دورات جامعية في الفلسفة ومجال تطور الأفكار من جامعتي أوكسفورد البريطانية ويال الأمريكية.  

لديه على حسابه عل اليوتيوب ما يقارب 282 محاضرة علمية مدة كل منها تتراوح ما بين ساعة وساعة و 20 دقيقة. وهي ضمن عدد من الصالونات الفكرية التي يشارك في إحيائها في مصر ومنها صالون زمرة وصالون علمانيون.

محاضراته مرتبة في سلاسل نذكر منها :

1- سلسلة أ ب فلسفة وجدليات فلسفية : 15 محاضرة. ويتحدث فيها عن مباحث الفلسفة الرئيسية (المنطق الوجود، المعرفة، والقيم والجمال).

2- جدليات فلسفية : 15 محاضرة. ويتحدث فيها عن الفن واللغة والعلوم الطبيعية والله والقيم والحب والجنس ومعنى الحياة في الفلسفة والدين.

3- التفكير والوعي والمعرفة والثقافة : 11 محاضرة. ويتحدث فيها بشكل رئيس عن التفكير والوعي والوهم والحقيقة.

4- إسلاميات ودينيات : 38 محاضرة. يتحدث فيها عن المعتزلة وإخوان الصفا وابن رشد وعلم الكلام وابن عربي وتيار الإسلام السياسي والإصلاح الديني والتأويل والاستشراق والحضارة الإسلامية وتاريخ الإلحاد في الإسلام.

5- المدارس الفلسفية : 6 محاضرات. ويتحدث فيها عن الفلسفات المثالية والمادية والإنسانية ومرحلة ما بعد الحداثة.

6- أنساق المعرفة الإنسانية : 14 محاضرة. يتحدث فيها عن العلوم الاجتماعية والإنسانية (مثل علوم الاجتماع والسياسة والنفس والانثروبولوجيا والفنون والآداب والبيولوجيا والعلوم الطبيعية وصراع العلم والدين).

7- دول وشعوب حول العالم : 8 محاضرات. ويتحدث فيها عن إيران وتركيا الحديثة بين أتاتورك وأردوغان وتجربة ألمانيا مع قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، والتحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا، وعن ألمانيا والنمسا.

8- حضارات العالم القديم وتأثيرها بتشكيل واقعنا : 5 محاضرات. ويتحدث فيها عن سومر وآشور وبابل ومصر القديمة وفينيقيا واليمن.

9- قراءة سياسية واجتماعية للتاريخ الإسلامي : 6 محاضرات. ويتحدث فيها عن أحداث الفتنة الكبرى وحروب الإسلام الأهلية.

10- الأيديولوجيات السياسية المعاصرة : 16 محاضرة. ويتحدث فيها عن المحافظة (الفكر المحافظ) والقومية والفاشية والليبرالية والليبرالية المعاصرة واليسار ومفاهيمه وتطوراته والأصوليات والأيديولوجيات الحالمة (الفوضوية والنسوية والخضراء والإنسانية) وعصر ما بعد الأيديولوجيا.

من الأبحاث المكتوبة له :

1- حتمية الثورة الثقافية لإكمال ثورات الربيع العربي.

2- التيار الديني والتيار العلماني بين الصدام والتعايش.

3- تحديات تواجه الفكر الاسلامي المعاصر.

4- دراسة عن التيار السلفي، أصوله و تناقضاته وأزماته.

 

 لمتابعة الباحث أحمد زايد فيمكنك زيارة حساباته التالية :
صفحته على الفيسبوك
قناته على اليوتيوب
أو التواصل معه على بريده الإلكتروني : ahmedsaadzayed@gmail.com

 

المقابلة :

 لماذا؟

صونس بوبليك : شكرا جزيلا لقبولك دعوتنا لإجراء المقابلة. وأسجل هنا تقديري الشخصي للمجهود الذي تقوم به على مستوى التوعية الفكرية في مصر وفي العالم العربي والاسلامي.

أبدأ معك بسؤال مختصر جدا، وهو أصل الأسئلة ولعله سبب التفلسف كما تقول، "لماذا؟". لماذا تقوم بكل ما تقوم به من جهد في نشر الوعي بين الشباب في العالم العربي والإسلامي وما الذي دفعك للتوجه للفلسفة والدين والتاريخ وعالم الأفكار. لا أعتقد أن هناك من يدفع لك لكي تقوم بهذه المحاضرات ووضعها على اليوتيوب. فلماذا تكلف نفسك كل هذا العناء؟

- أحمد زايد : قد يكون أصل التفلسف هو التساؤل "ما هو؟"، وهذا يعني التساؤل عن "الماهية"، وبعد ذلك تأتي "العلِّية". وتوقعك بأنني لا أتقاضى أجرا على ما أقوم به في محله، حيث أنَّ تسعون إلى خمسة وتسعون بالمئة من النشاط الثقافي والمحاضرات وإنشاء الصالونات وتنظيم وإدارة اللقاءات أقوم به بشكل تطوعي.

وللعودة إلى سؤالك فإنه للإجابة عن ذلك لا بد من الإشارة إلى جزء من تاريخي الشخصي. حتى ولو أن الإجابة عن سؤال "لماذا؟" عندما يكون مرتبطا بالذات، يكون من الصعب بمكان الإجابة عليه بصدقٍ تام. فقد تكون الإجابة النموذجية هي أنني أريد ان أُحسّن وضع الشباب العربي أو الشباب المهتمين بالفكر والثقافة وأن أنقل لهم تجربتي التي مرّت بأطوار متعددة - قد تكون هذه الإجابة حاضرةً فعلاً في ذهني - ولكن هناك بعدين أساسيين لسبب قيامي بما أقوم به، الأول ذاتي والثاني موضوعي.

أما الموضوعي، فهو مرتبط بنشأتي الثقافية والفكرية والأطوار الفكرية التي مررت بها في حياتي. فقد مررت بمرحلة من اللاأدرية الساذجة - وأذكر أن أول كتابين اشتريتهما من نقود والدي في معرض للكتاب في الثمانينيات من القرن الماضي كانا "عبث الأقدار" وكتاب آخر مرتبط بالتاريخ المصري ومجموعة الأُسر الحديثة في تاريخ مصر القديمة -، وفي هذه المرحلة كان عندي شك في كل شيء، شك في الهوية وفي الدين... الخ. بعد هذه المرحلة تبنيت موقفاً أيديولوجياً بعينه وكنت أدعو له بحماسة شديدة، خصوصا في فترة الجامعة - حيث وصلت إلى أن أكون رئيس اتحاد للطلبة -. بعد ذلك اكتشفت أن الأيديولوجية الإسلامَوِيّة بالتحديد فيها كثير من الزيف واتجهت نحو تفكير إنساني وحضاري بهدف تقديم رؤية إسلامية حضارية لهذا الكوكب ومن ثم إلى تفكير إنساني غير مرتبط بأي فصيل، سواء أكان ذلك فصيلاً عرقياً أو دينياً. وهنا نعود للإجابة ونقول أن هذه المراحل لعلها تضيّع على الأمة الكثير من الوقت - فأنا قضيت الكثير من الوقت في هذا التخبط الفكري - وأريد للأجيال الصاعدة أن تتجنبه قدر المستطاع وأن تبحث أكثر فيما هو مفيد لأمتها وعصرها، وهذا سيختصر عليهم الكثير من المسافة والوقت.

أما الجزء الذاتي للإجابة، فهو أن الحياة الفكرية والثقافية أصبحت بالنسبة لي تحتوي على شيءٍ من اللّذّة، تماما كما في اللّذات الأساسية في الحياة، كلذّة الطعام أو الجنس، فبعد أن كنت أقرأ لتحقيق النجاح أو تفادي السقوط أو تأدية واجب ما، أصبحت أقرأ لإشباع - من الممكن أن نقول - غريزة العقل أو غريزة المعرفة. ومن يتابع قناتي يلاحظ أنني أتجنب التحدث بشكل متكرر في نفس الموضوع إلا إذا ألحّ علي أحد الأطراف في الجامعات أو الصالونات الثقافية.

وبناءً على هذه التجربة، وجدت أن المشكلة الفكرية عند الشباب العربي هي عبارة عن أزمة في أصول الأفكار. وأقول هذا بناءً على دراساتي في العلوم السياسية والفلسفة والشريعة الإسلامية. وبما أن أصول الأفكار هي أم العلوم (الفلسفة وفلسفة السياسة و فلسفة الدين وفلسفة الفكر)، فإنها إن صَلُحَت سيصلُحُ من تحتها أشياء كثيرة في البنية الفكرية للعالم العربي.

وبعد هذه المقدمة الطويلة بعض الشيء، أرجو أن يكون ما أقدمه فيه فائدة للمستمعين والمشاهدين أو القرّاء عموما، وخصوصا فئة الشباب منهم حتى يختصروا فترات طويلة من التيه أو التعصب أو التطرف الذي أدى إلى أن تعيش منطقتنا في جحيم بدلا من أن تعيش في سعادة وهناء.

كما أتمنى أن يكون هناك - يوما ما - في العالم العربي مؤسسات مختصة كما في بعض البلاد الغربية لرعاية المهتمين بالفكر والثقافة وتدعيمهم وتوجيههم، بالإضافة إلى قيامها بأبحاث لخدمة أوطانها أولا ومن ثمة خدمة الإنسانية في نهاية المطاف، ذلك أننا أصبحنا نعيش في عالم واحد، وما يحدث في جانب من الكوكب يؤثر بالضرورة على باقي الجوانب. وأقول أنه من أجل عالم أفضل، فإننا نحتاج إلى عقل وفكر ووعي أفضل من أجل تحقيق قراءة أفضل للتاريخ الإنساني والتجربة الإنسانية التي أراها واحدة ومتشابهة ولكنها غير متماثلة.

وأتوقع أن نصل يوما ما إلى حضارة إنسانية واحدة تكون كل الحضارات السابقة تجليات لها، سواء أكانت الحضارات الصينية أو الهندية أو العربية الإسلامية أو الغربية... الخ من الحضارات التي شهدها التاريخ الإنساني والتجربة البشرية على كوكب الأرض.

 

نظرة عامة على حال الفكر في العالم العربي

-  صونس بوبليك : ما هي حالة الفكر في العالم العربي والإسلامي؟

- أحمد زايد : الفكر في العالم العربي والإسلامي الآن غير ثابت، فإن كنا نقول أنه في أوائل القرن العشرين كان هناك تيارات واضحة وكان لكل تيار رموز واضحة فكريا، فإنه - وللأسف - ومنذ أوائل القرن الواحد والعشرين هناك الكثير من الضبابية وقلة في الرموز الفكرية وضحالة في المشاريع. لا يمكنني إنكار أن هناك مشاريع، فمن الممكن أن يكون هناك مفكر عظيم في هذا البلد العربي أو ذاك، لكن الإشكال، هو أنه ليس له قول مسموع لا على مستوى الدولة ولا على مستوى المجتمع ولا حتى على مستوى الشباب، فلا يوجد رموز تتمحور حولهم الطليعة.

وبالتالي - وهذا وفق وجهة نظري الشخصية - أرى ان حالة الفكر حالة مزرية. وأرجو أن يكون ما أقوم به من جهد مُقِل شمعة مضيئة في سبيل تحسين حالة الفكر. كما أنني لا أقول أن هذه الحالة الظلامية ليس لها مخرج، وإنما أشدد على أنه يجب أن يكون هناك طليعة فكرية وثقافية من أجل الخروج من هذه الحالة.

 

التيارات الفكرية الرئيسية في العالم العربي والإسلامي

-  صونس بوبليك : ما هي التيارات الفكرية الرئيسية في العالم العربي والإسلامي؟ وما هي السمات الفكرية الطاغية في كل دولة او مجموعة من الدول؟

- أحمد زايد : إذا ما أردنا وضع خريطة للفكر الإسلامي - سواءً في العالم العربي أو غير العربي- وتقسيمها تقسيما موضوعيا أو نوعيا وليس على أساس مناطقي أو زمني، فنستطيع القول بأن هناك 4 تيارات فكرية رئيسية :

1- التيار التقليدي المحافظ : والذي من الممكن أن نجد فيه الأزهر والجامعات الدينية الكبرى الشبيهة بالأزهر في كل من الهند والمغرب مثل القيروان والزيتونة مثلا. وهذ المؤسسات هي عبارة عن امتداد للفكر الإسلامي منذ زمن المماليك. وفيه ثلاثة تيارات هي الأشعرية والماتريدية والتصوف، ومن الممكن إضافة تيار رابع هو امتداد للمدرسة الحنبلية حتى بشكلها الوهابي ولكن بنزع فكرة معارضة السلطة عنها. هذا فيما يخص العالم السني، أما فيما يخص العالم الشيعي فمن الأمثلة على التيارات التقليدية فيه نجد أتباع المرجعية الرئيسية في العراق مثل السيستاني وما شابه.

2- تيار الإسلام السياسي : إذا ما أردنا أن نبدأ بالجانب الشيعي فمن الممكن أن نضع تحت هذا التيار كل من تيار الخميني وما شابهه وحزب الله وما شابهه. أما في العالم السني الذي يشكل أكثر من ثمانين بالمئة من العالم الإسلامي ففيه تيارات فرعية كثيرة من الممكن وضعها تحت هذا التيار، ومن أكبرها الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في الهند وتيارات أخرى أصغر مثل حزب التحرير والجماعات السلفية الجهادية. ومن الممكن تصنيف هذه التيارات بناءً على الوسائل التي تتبعها للتغيير، فمنهم من يؤمن بالدعوى بالحسنى وفقط ومنهم من يؤمن بالعمل السياسي ومنهم من يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة في السياسة - بالمعنى السيء للكلمة -، ومنهم من يؤمن بالتغيير بالقوة والعنف مثل القاعدة وداعش والسلفية الجهادية بجماعاتها وأشكالها وأطيافها المختلفة.

3- تيار الحداثة الإسلامي :

 ومن الممكن أن نُقَسِّمَهُ إلى قسمين :

 قسم يقدم مصلحة الأمة على مصلحة الدين أو النص، وفيه مجال واسع للحركة، ومن رموزه محمد أركون ونصر حامد أبو زيد الذين يؤمنون بتاريخانية الكثير من النصوص، وهناك أيضا القرآنيين مثل صبحي منصور الذين يأخذون فقط بالقرآن ويرفضون معظم الأحاديث مع تأويلات حداثية للآيات، كما أن هناك تيارات أخرى في هذا القسم تأخذ بالأحاديث ولكنها تتعامل معها بالرفض أو القبول باستخدام العقل أو بعلة مخالفتها للقرآن أو مخالفتها للقيم والأخلاق السائدة.

وقسم ثانٍ الدين عنده أهم من الأمة وهو يأوّل الدين من أجل مصلحة الدين ويحاول أن يوفق بين الدين والنظريات العلمية الحديثة ومن أشهرها نظرية التطور والانتخاب الطبيعي، كما يحاول أن يوفق بين الدين والحياة العامة وقوانين المجتمع الدولي، و يحاول أن يكون أكثر إنسانية.

وهذا التيار بقسميه يرفض ما يسمى بحد الردة ويؤمن بحرية الاعتقاد، وأنه ليس بالضرورة أن تكون هناك خلافة إسلامية (على العكس من تيار الإسلام السياسي الذي تحضر فيه فكرة الخلافة بقوة، والتيار التقليدي المحافظ الذي توجد فكرة الخلافة عنده ولكنها خافتة وغير ذات أولوية وغير مفعلة). كما أنه ليس عنده الرغبة في أستاذية العالم أو إخضاعه أو تقسيمه إلى قسمين (دار إسلام ودار كفر)، ويرفض المواجهة بين المسلمين وغير المسلمين، ويرفض فكرة إما أن يُسلِموا وإما أن يدفعوا الجزية وإما أن نحاربهم حتى يفعلوا أمرا من الأمرين السابقين.

4- تيار القطيعة المعرفية مع الحضارة العربية الإسلامية :

وهو التيار الذي يقول بوفاة الحضارة العربية الإسلامية وأنّ ما تبقى هو فقط الثقافة - على عكس التيارات الثلاثة السابقة التي تقول بدرجات متفاوتة أنّ الحضارة العربية الإسلامية تحتضر وبأن الثقافة العربية الإسلامية موجودة ويريدون إعادة أمجاد هذه الحضارة -.

 ومن الممكن تقسيمه إلى قسمين :

قسم القطيعة الناعمة : وهو مستوعب ومتفهم لمفردات وتجليات الحضارة والثقافة العربية الإسلامية عبر التاريخ، ويريد أن يتجاوز ذلك ولكن بشيء من النعومة والسلاسة. وهناك الكثير في هذا المضمار، بعضهم يعلن والآخر لا يعلن.

قسم القطيعة الخشنة : وهم يحملون كرها شديدا للحضارة العربية الإسلامية ويرون أنها سبب رئيسي من أسباب تخلف تلك المنطقة من العالم، ويريدون قطيعة معرفية شديدة معها. وقد بدأ هذا القسم يتجلى بشكل كبير بالذات بعد ثورات الربيع العربي، وهو موجود في منتديات ومواقع على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وأذكر منهم المفكر السعودي عبدالله القصيمي - الذي كان أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية - والمفكر السوري الشهير صادق جلال العظم - الذي عانى من الاضطهاد في فترة الستينيات وأوائل السبعينيات - بسبب كتابه نقد الفكر الديني.

 

السمات الفكرية الطاغية في كل دولة او مجموعة من الدول

بالنسبة للسمات الفكرية الطاغية في كل دولة أو في كل مجموعة من الدول، وباختصار شديد فمن الممكن الحديث عنها بشكل جغرافي بتقسيمها إلى أربعة مناطق :

1- دول المغرب العربي.

2- وادي النيل (مصر والسودان).

3- دول الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين).

4- شبه الجزيرة العربية (بلاد الخليج واليمن).

حيث أنّ كل منطقة لها هوية وشخصية ولكنها متجانسة مع المناطق الأخرى لأنّ الخلفية الفكرية للأربع مناطق هي خلفية فكرية واحدة، فهي كلها دول خارجة من أنقاض الحضارة العربية الإسلامية التي أراها أنا، إن لم تكن ماتت، فإنها بحالة احتضار شديد، وهناك محاولات لإحيائها، وبرأيي أنه حتى لو افترضنا جدلاً أنها ستعود مرة أخرى، فلن تكون كالتي سبقتها وستكون لها أسس جديدة.

بالنسبة للمغرب العربي، فإنه متأثر بالثقافة الفرانكوفونية ولديه إشكالات في الهوية - العالم العربي كله يعاني في مسألة الهوية، ولكن هذه المشكلة حاضرة أكثر في دول الهلال الخصيب والمغرب تحديدا - فهناك مشكلة العرقية العربية والأمازيغية. بينما السمت الرئيسي في مشكلة الهوية في دول الهلال الخصيب يتعلق بالطائفية الدينية بين السنة والشيعة - وتوجد هذه المشكلة بشكل أقل في شبه الجزيرة العربية -.

أما بخصوص وادي النيل (مصر والسودان)، فالمشكلة الرئيسية فيهما من وجهة نظري هي المشكلة الاقتصادية - وعندما أقول المشكلة الرئيسية فهذا يعني أن هناك مشاكل أخرى تتعلق بالطائفية أو العرقية ولكن بشكل أقل - . ولعلّ أقل الدول معاناة من مشكلة الهوية نسبيا هي دول الخليج. وقد يكون ذلك عائداً إلى حالة الرفاه الاقتصادي الذي تعيشه هذه الدول.

هذه هي السمات بشكل مختصر، وهي رؤية مبدئية ولعلها بحاجة إلى تفصيل أكثر.

 

السلفيين وتأثيرهم في تشكيل الوعي العام

-  صونس بوبليك : هنا في فرنسا لدينا رئيس وزراء يدعى مانيول فالس، في 04-04-2016 قال تعليقا على موضوع الإسلام : " إن السلفيين يشكلون 1 بالمئة من المسلمين في فرنسا، ولكن المشكلة هي أنهم هم من يُستَمَعُ إليهم ". وقال أيضا في نفس اليوم " إن التيار السلفي هو من يربح المعركة الفكرية ". ما هو تعليقك على ما قاله؟ 

- أحمد زايد : أعتقد أن رئيس الوزراء الفرنسي بهذا التصريح لديه قراءة لا بأس بها للمنطقة، خصوصا أن كل التيارات الأخرى مترنحة وأن تيار الإسلام السياسي وخصوصا السلفي منه هو الأعلى صوتا، بل والأعلى مَدفعاً، ذلك أن السلفية الجهادية لا تزعج فقط العالم العربي والإسلامي وإنما تزعج أيضا بقية العالم. وقد تتميز الهجمات بالعالم الغربي بأنها تقلب العالم إعلاميا، ولكن مثل هذه الهجمات موجودة في مناطق أخرى بشكل أكبر، سواء في العالم العربي أو الإسلامي أو الإفريقي أو الآسيوي.

 والسبب في أنّ هذا التيار هو من يُسمتَع له، هو أنه لا يوجد هناك تنوير حقيقي، وأنّ المفردات التي يستخدمها هذا التيار تأتي على هوى كثير من البسطاء للأسف الشديد. ولا بدّ من أن نقرّ بأن الخطاب الديني المأزوم في منطقتنا يتميّز بالأغلب بأنه خطاب لا إنساني، طائفي، يكرس كراهية الآخر بحجج كثيرة معظمها حجج دينية وأحيانا بحجج سياسية نتيجة أوضاع السياسات الدولية وإشكالاتها التي يمر بها الوعي العربي العام بالإضافة إلى مشكلة فلسطين والمشاكل الإقتصادية، حيث أن التيار السلفي يزعم بأننا إذا ما اتجهنا إلى الله فإنه سوف يعينُنا وأنّ هذه الأزمة الاقتصادية ما هي إلا عقاب منه. وهذا الخطاب يمر على البسطاء ذلك أن رجل الدين هو مصدر المعرفة والدين بالنسبة لكثير منهم، بل يعتبرون أن ما يقوله هو ما يقوله الله وليس فقط كلام رجل دين. حتى وصل ببعض الناس من غير المتدينين - يشربون الخمر ويمارسون الزنا - بأن صوتوا لأكثر التيارات الدينية تشددا في الانتخابات المصرية كنوع من أنواع عملية التطهر.

وبالتالي أرى أنّ قراءة رئيس الوزراء الفرنسي صحيحة ولكن الإشكالية تكمن ب "ما العمل؟"، هل نستسلم لذلك؟ سواء أكنا غربيين أو شرقيين؟ أم نحاول التفكير في محاولة للتغيير؟

 

حتمية الثورة الفكرية

-  صونس بوبليك : أنت من المؤمنين بحتمية الثورة الفكرية، لماذا؟ 

- أحمد زايد : قد أكون من الأوائل الذين قالوا بعد حدوث الثورات العربية بحتمية الثورة الفكرية لنجاح الثورة السياسية، خصوصا في مصر، وقد قمت بكتابة هذا في ورقة صغيرة للمشاركة في مؤتمر عُقِدَ في اتحاد الفنانين والكتاب في الإسكندرية، وكانت الفكرة الرئيسية هي أنه لا يمكن أن نستطيع أن ننقل المجتمع من النقطة "أ" إلى النقطة "ب" في مجالات السياسة وأن نحقق تلك الشعارات الخلابة للثورة المصرية في 25 يناير (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية) من دون أن نؤمن بهذه الأفكار ومن دون أن تكون سلوكاً عند مجموعة كبيرة أو تيار كبير من الناس. والمشكلة هي أنه لم يكن هناك سوى بعض الطلائع من الشباب وبعض كبار السن أو الشيوخ أو متوسطي العمر ممن كانوا مؤمنين بهذه القيم بالفعل وليسوا طامحين باقتطاف ثمار الديمقراطية ونتائج الحداثة دون أن يمروا بعملية الحداثة كاملة. كان هذا غائبا، وقد سبب هذا الغياب ما نراه الآن في عام 2016 بشكل جلي وواضح.

وبالتالي نعود ونقول أنه لا يمكن ان تحدث ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية بدون ثورة في الوعي والثقافة والفكر، ذلك أن هذه الأمور هي الأساس الذي تستطيع من خلاله ان تقود الأمة العربية أو الإسلامية أو المصرية من ما قبل الحداثة إلى - لا نريد ان نقول ما بعد الحداثة- وإنما إلى الحداثة نفسها أولا.

 

الفكر العقلاني

- صونس بوبليك : قلت في محاضرة من محاضراتك ان الفكر المعتزلي لم يمت ولم ينقطع في العالم الإسلامي. ما الذي دفعك لقول ذلك؟ وهل هناك من يمثل هذا الفكر أو امتداده في أيامنا هذه؟

 - أحمد زايد : من وجهة نظري، أرى ان الأفكار لا تموت. من الممكن أن تتحور أو أن تتغير، فهي لا تموت إلا إذا كانت أفكارا مميتة، وأفكار المعتزلة كان فيها الكثير من الحيوية وفيها الكثير من التعبير عن إجابة لتحديات واجهت الحضارة العربية الإسلامية في لحظة ما، وقاموا بتقديم ردود عليها، مقبولة عند البعض ومرفوضة عند البعض الآخر.

وأنا أقول أن الفكر المعتزلي لم يمت على مستويين :

الأول على مستوى التيار الإسلامي التقليدي، فمقولاته أثّرت وطورت في هذا التيار، وهي موجودة حتى عند الحنابلة ولو على سبيل الرد والنقض، وهذه المقولات تم امتصاصها ودمجها في كثير من المذاهب الإسلامية التقليدية الموجودة حاليا مثل المذهب الإمامي والزيدي أو الأشعري والماتريدي، فالإمامية كثير من أقوالهم هي أصلا مقولات معتزلية، والأشاعرة والماتريدية يحاولون أن يزاوجوا بين الإسلام الاعتزالي ووجهة النظر للإسلام في شروطه الأولى البسيطة عند أهل الحديث وان يجدوا طريقا وسطا ما بين الاثنين.

والثاني على مستوى الإسلام الحداثي والإسلام السياسي، ومن الأمثلة على ذلك تجاوزهم لمسألة القرشية في الخلافة، وهذا نجده عند بعض الخوارج وبعض المعتزلة، ومحاولة تطوير خطاب أو نصوص تسمح بقبول أفكار مثل الديمقراطية وغيرها من الأفكار، بدرجات متفاوتة طبعا في تيار الإسلام السياسي، وبدرجات عالية جدا في تيار الحداثة الإسلامي، فنجد حضورا كبيرا لأفكار المعتزلة عند مفكرين مثل جمال البنّا أو محمد أركون أو نصر أبو زيد او القرآنيين، خصوصا في تصورهم عن الله وعن يوم القيامة والتأويلات المقبولة للنصوص حتى على مستوى الشريعة وليس فقط على مستوى العقيدة كما عند المعتزلة، بالإضافة إلى مجال الفقه والحديث، فهم يُعمِلون العقل بشكل كبير، بل ويقدمونه أحيانا على النص كما كان يفعل المعتزلة الذين كان تقديم العقل على النص عندهم من الركائز الأساسية لفكرهم.

 

ما الذي أدى إلى فشل الثورات؟

- صونس بوبليك : ما الذي أدى إلى فشل الثورات العربية؟ وهل السبب هو ان الشعوب العربية أرادت الحداثة السياسية قبل الحداثة الفكرية كما يقول بعض الباحثين؟ وهل من الضروري القيام بثورة فكرية لكي تنجح الثورات العربية؟

- أحمد زايد : قد أكون أجبت على هذا السؤال في معرض حديثي عن حتمية الثورة الفكرية، ولكن وبشكل عام أعتقد أن الثورة أو الحداثة الفكرية يجب أن تكون شاملة في المجالات الأربعة للمعرفة الإنسانية : ثورة في الفنون والأدب، ثورة في النسق الديني، وثورة في علوم الاجتماع والإنسان وفي المقام الرابع إن حصل ثورة في مجال العلوم الطبيعية فهذا أكثر من ممتاز.

كما أعتقد أنه من غير الممكن أن نوجد مؤسسات أو نظم فيها روح الحداثة بدون أن تكون الحداثة موجودة، والأهم من وجود الحداثة هو أولا وجود أشخاص حداثيين مؤمنين بتلك الأفكار، فلا يمكن في حال من الأحوال أن تحدث ديمقراطية حقيقية بدون وجود أشخاص ديمقراطيين، ولا يمكن وجود ليبرالية بدون وجود ليبراليين ولا ماركسية بدون وجود ماركسيين، فلا يمكن نجاح ثورة تحمل أفكار الحرية والعدالة الاجتماعية إلا بوجود أشخاص يؤمنون فعلا بهذه الأفكار.

هذه الأفكار قد تكون بدأت مع الفرنسيين نوعا ما بالإضافة إلى بعض المفكرين الغربيين الآخرين، إلا أنها تبقى أفكارا إنسانية تشمل الإنسانية كلها، فإذا لم تكن إنسانيا ولم تفهم الأفكار الإنسانية ولا تفهم تجارب الحضارات الموجودة حولك، الناجحة أو حتى الفاشلة منها، سواء أكان ذلك في الغرب أو في أمريكا اللاتينية أو في آسيا، ولا تفهم تركيباتها وإشكالياتها، فكيف لك أن تنجح؟ كيف لك أن تقيم دولة ديمقراطية بدون أن يكون عندك نموذج ديمقراطي على مستوى وعيك أو على مستوى تنظيرك أو على مستوى فكرك، إذا كان هذا غائبا فسوف تفشل، ففاقد الشيء لا يعطيه، فإذا ما كانت هذه الأفكار معدومة في خيالك وليس فقط في واقعك وإذا ما كانت هي بالنسبة لك مجرد شعارات طنانة بدون أساس حقيقي وبدون تنظيرات فكرية ولا أمثلة تاريخية واضحة تستطيع أن تطبقها على الواقع، سواء أكان مصدرها خيالك و تنظيرك الفكري الواضح أو من خلال تجارب عملية لمن حولك، فلن تنجح في الوصول إلى ما تريده.

 

إرهاصات الثورة الفكرية في العالم العربي

- صونس بوبليك : ما هي إرهاصات الثورة الفكرية في العالم العربي؟ ما هي سماتها وما الذي يميزها عن مشاريع سابقة؟ من هم رموزها؟ ما دور التيار الديني الإصلاحي فيها؟ (نلاحظ أن هناك الكثير من الدعاة الذين بدؤوا يتبنون خطابا إنسانيا جديدا)

- أحمد زايد : التيار الديني من المفروض عليه المشاركة في الثورة الفكرية، خصوصا التيار الإسلامي الحداثي، سواء أكان من القسم الذي يقدم الأمة على النص أو من القسم الذي يقدم النص على الأمة، وهذا التيار موجود ويريد أن يقوم بالثورة في ذلك المجال، وعلامات ذلك كثيرة، فأنا مثلا أستطيع أن ألمسها من خلال احتكاكي بالشباب في الصالونات والمنتديات الثقافية مباشرة، وأيضا على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما أن الربيع العربي أو الثورة السياسية التي حدثت شكلت زلزالاً هائلاً في وعي الإنسان العربي، وأظن أننا لن نستطيع ان نحدد نتائجها ومداها إلى بعد عقد او عقدين من الزمان. وفي اللحظة الحالية نشهد تصاعداً في التيار الثائر الذي يريد تغيير الخطاب الديني. حتى أن بعض أبناء المؤسسات الدينية التقليدية يفكرون في هذا بشكل أو بآخر. وبشكل أكبر عند بعض أبناء المجتمع وأبناء النخبة الفكرية، وحتى من البسطاء. بالإضافة إلى أصوات وإرهاصات كثيرة مختلفة قد نتفق معها أو نختلف، فمثلا قبل تيار الثورات كان هناك صوت مثل صوت جمال البنا أو إسلام البحيري أو حسن حنفي وغيرهم حاولوا ان يحركوا الثورة الفكرية، ولكن بعد الثورات بدأت الأصوات تعلوا وبدأت تظهر على الإعلام بصورة أكبر وتعبر عن إرادتها لمراجعة كل شيء في إطار المعرفة العربية بالكون والحياة والدين... الخ. ولعل أكثر إرهاصات هذه الثورة تتواجد عند الشباب المهتم بالثقافة والفكر.

 

أزمة النخبة

- صونس بوبليك : لماذا يوجد هناك هوة عميقة بين فكر النخبة وفكر الجماهيرفي العالم العربي؟ هل تخلت النخبة عن الجماهير؟ ألا يقع اللوم على النخبة الذين تركوا الفكر السلفي يتفشى بين الجماهير؟

- أحمد زايد : لعل كلمة النخبة تكون من المصطلحات المراوغة في القاموس المعاصر. فالنخبة هنا تسقط على النخبة الاقتصادية (طلائع رجال المال والأعمال) او على النخبة السياسية (كبار رجال الدولة وإدارتها ورجال البيروقراطية، سواء في مصر أو غيرها من البلدان العربية). في واقع الأمر هؤلاء ليسوا نخبة، فالنخبة بمعنى "intellectual" تطلق فقط على النخبة الفكرية - التي قد يكون بعضها ممارسا للسياسية أو السلطة والإدارة العليا او الاقتصاد -، وهذه النخبة الفكرية فقط هي المعنية بقيادة الوعي الجمعي للأمة - سواء أكانت المصرية أو العربية أو الإسلامية - والانتقال به من النقطة "أ" إلى النقطة "ب"، وذلك لامتلاكها رؤية متكاملة لقيادة الأمة.

وأنا من هذه الناحية سقراطي، بمعنى أنني أرى أنّ النخبة الفكرية عندها إشكالات ضخمة لأنها لا تتجه إلى الجماهير ولا تحتك بهم، حتى النخبة الفكرية المشتغلة في النظام الأكاديمي لديها هذا الإشكال بشكل ضخم، فالكثير منهم يغلب عليه أنه مُدَرّس وفقط، أكثر منه متفاعل وأكثر منه مثقف حتى، فمن الممكن أن يكون بارع جدا في أحد التخصصات الطبية أو الهندسية مثلا أو أي تخصص آخر حتى في مجال العلوم الإنسانية، ولكنه في نفس الوقت لا يفقه شيئاً آخر ولا يتصل بالعالم من حوله خارج نطاق تخصصه، مما يجعل فكرة المثقف العضوي غائبة، وحتى إنو وجدوا فإنهم لا يقومون بالدور السقراطي (الاتجاه للناس في الأسواق للحديث معهم) ولا حتى بالدور الأفلاطوني (بأن يكون لهم أكاديمية يخاطبون ويعلمون فيها الناس ويحاولون التواصل معهم). هذا لا يحدث كثيرا للأسف الشديد.

بالتالي، فأنا أقول أن على النخبة أن تتواصل. فالإشكال ليس في الجماهير، وحتى لو قلنا أنهم يتحملون جزءا من المسؤولية فإن المسؤولية الكبرى تقع على النخبة في مواجهة إشكالات الواقع التي يعيشها المجتمع، فلا يستوي الذي يعلم مع الذي لا يعلم. وإشكالاتنا لن تُحل إلا بمزيد من التوعية ومزيد من الصالونات ومزيد من المؤتمرات الفكرية التي يشترك فيها الشباب. وأنا بجهدي البسيط أحاول أن أقوم بهذا، سواء أكان ذلك مع الأصغر مني سنا من الشباب أو التلامذة أو مع أقراني في السن أو حتى الكبار لتنظيم فعاليات يشترك فيها الجميع، ولتقديم أشخاص جدد في عالم الفكر، وتوجيه الناس للثقافة والفكر والسماح لهم بأن يفهموا أنه لن تتغير أحوالنا كشعوب وأمم إلا بفهمنا للثقافة الإنسانية التي ورثناها بطريقة تحليلية نقدية وبفهمنا للثقافة الإنسانية التي نعيش معها في العالم، سواء على مستوى الحضارة الغربية السائدة الآن أو على مستوى الحضارات الآسيوية الصينية والهندية أو على مستوى الشعوب الإفريقية واللاتينية.

يجب أن نعي كل هذه الأشياء إذا ما أردنا معرفة ما الذي نريده من هذا الوجود ومن هذه الحياة التي منحت لنا، وإذا ما أردنا أن ننقل هذه الحياة إلى أولادنا بشكل أجمل وأسعد وأفضل.

 

ما الحل؟

- صونس بوبليك : ما هو الحل؟ فقد شهدت المنطقة العربية فشل المشروع الفكري الماركسي ومن ثم القومي ومن ثم الإخواني والآن نرى المشروع الفكري السلفي قد بدأ بالانهيار. وها نحن نشهد حرب طائفية في العراق وسوريا شبيهة بما حصل في أوروبا فيما يسمى بحروب الأديان بين الكاثوليك والبروتستانت في القرن السادس عشر. وفي حال فشل المشروع الفكري السلفي فكيف سيتم مَلؤُ الفراغ الفكري الذي سيتركه خصوصا في العالم السني. وما هو الفكر أو الأيديولوجيا التي من الممكن أن تستحوذ على فكر الجماهير في مرحلة ما بعد السلفية؟

- أحمد زايد : كما ذكرت في السؤال، أشاركك الرأي بأن المنطقة العربية شهدت مشاريع كثيرة، وهذه المشاريع وبدون استثناء تم فشلها فشلا ذريعا، فإذا تحدثنا عن المشروع الليبرالي الذي انتهى بحدوث الانقلابات في أواسط القرن العشرين، فهو كان مشروعا ليبراليا بدائيا لم يحدث معه ثورة فكرية كما ينبغي، والسبب الأول لفشله هو عدم وجود قواعد مُؤمِنة بهذه الأفكار إيماناً حقيقيا وإنما كانت نخبة سياسية وفكرية قليلة تم انهيارها بعد هزيمة سبع جيوش عربية أمام إسرائيل في عام 1948، في تلك اللحظة انتهى المشروع الليبرالي وبدأ على انقاضه مشروع قومي اشتراكي وماركسي أحيانا، تم القضاء عليه هو أيضا مع نكسة عام 1967، ومن ثم لم يتبقى سوى مشروع واحد طرح نفسه كحلّ، ألا وهو مشروع الإسلام السياسي عن طريق تنظيم الإخوان تحديدا، وتم فشلهم وانكشافهم أخيرا في مصر بعد عام واحد فقط من الحكم، فهم لم يكونوا بنفس كياسة وقدرة المشروعين السابقين بحيث يستطيعون أن يستمروا لفترة أطول، وأظن، من وجهة نظري طبعا، أن ذلك كان نتيجة لخلل رئيسي في تنظيم الإخوان وبنيته الداخلية أكثر منه بسبب العناصر الخارجية التي وقفت ضده؛ فلا هو كان تنظيما عسكريا ولا هو كان يضم طلائع من النخبة الفكرية والرموز التي تحمل أفكار واضحة بشأن العالم والسياسة والتي كان لها أيضا قبول جماهيري، فلم يكونوا لا بقوة المشروع القومي ولا بنضوج الفكر في المشروع الليبرالي.

بالنسبة للسلفية ، تقول حضرتك في معرض السؤال بأن المشروع السلفي بدأ بالانهيار، وأنا أقول أن المشروع السلفي لم يبدأ بالانهيار وإنما هو منهار فعلا، لأن الأفكار السلفية تؤدي بالضرورة إلى الطائفية وخصوصا في البلاد العربية في جناحها الشامي، وهذا سيؤدي بها إلى الاضمحلال حتى في صفوف أبنائها، أو على الأقل سيقومون بتغيير هذه الأفكار من أجل ان تكون أكثر ملاءمة للبيئة بعد فترة معينة، وستكون هذه الأفكار أفكارا منزوعة الشر أو منزوعة من الكره والبغض للآخر.

 للأسف الشديد، وكما ذكرت في التجربة الأوروبية، كان هذا بعد عناء وحروب دينية شديدة، ومنطقتنا تشهد في هذه الأثناء صراعات وحروباً طائفية بالذات في جناح بلاد الشام بين السنة والشيعة في العراق أو بين العلويين والسنة في سوريا وما شابه في بلاد أخرى. ولا بد أن يأتي يوم يفهم فيه الناس أنهم بحاجة إلى تفكير عقلاني، سواء بتطويرات على المذهب السلفي حتى يصل إلا منطقة وسط بين العلمانية والسلفية الصّرفة أو أن يظهر تيار علماني "صديق للمجتمع" غير متعالي عليه ولا خارج عنه. أنا من الذين لا يحبون التنبؤ بالمستقبل ولكن أظن أنّ هذا ما يمكن أن يحدث.

ومشروع السلفية، من وجهة نظري أيضا، عبارة عن أفكار دينية فقط حيث أن كل طرحه هو عبارة عن أن يكون الشعب أكثر تدينا، وليس عندهم حلول لمشكلات الدولة الحديثة ولا أية حلول للمشكلة الاجتماعية والاقتصادية، فأفكارهم أفكار ساجذة وبسيطة تتلخص بأن نطبق الإسلام وأن كل مشاكلنا ستحل وستتحسن أوضاعنا بل وستمطر السماء علينا ماءً مدراراً وتنبت أرضنا زرعا وجناتٍ وانهاراً، وبالتالي فإنه يغلب على تصورهم للحياة نسق الميتافيزيقا اللاهوتية والخرافية، وأنا أرى أن رؤيتهم غير مبررة أصلاً، ذلك انه على مر تاريخ الحضارة الإسلامي كان هناك أناس يطبقون الشريعة بشكل أو بآخر ولم يمنع ذلك حدوث أزمات ضخمة في هذه الحضارة، فكما يصف الجبرتي في عجائب الآثار قبل الاحتكاك القوي والمباشر مع الحضارة الغربية الحديثة بسبب حملة نابليون على مصر كان هناك إشكالات ضخمة ولم تكن الحياة وردية، بل كانت الشريعة مطبقة والواقع فاسدا مع ذلك، وبالتالي هذا يسقط فكرة شعارهم من الأساس بأن الشريعة هي الحل. ثم إنه حتى لو سلمنا بأن الشريعة هي الحل أو أن الإسلام هو الحل وبأنه لا توجد أقليات دينية ولا علمانيين ولا لا دينيين ولا ملحدين ولا أي طوائف أخرى سوى الطائفة التي تقول بأن الإسلام هو الحل فأي إسلام وأي شريعة سنطبق؟ نحن نعلم جيدا أن الإسلام السياسي مختلف على شكل الدولة التي ستأتي في المستقبل ومختلف على تفسير الشريعة ونعرف أن الحرب بينهم ستكون حربا ضروسا أشد من حروب الفتنة الكبرى التي كانت بين عليّ ومعاوية أو بين علي والزبير وطلحة وانه ستقوم بينهم حروب شديدة جدا على تأويل الإسلام الذي يزعمونه. وللإجابة على هذا المشروع، أقول هل كان الإسلام حلا في يوم من الأيام أصلا؟ هل فعلا تطبيق الشريعة هو من بنى الحضارة الإسلامية؟ أم أنها نهضة علمية ما بالإضافة إلى نهضة عسكرية وتحقيق فتوحات وما شابه ذلك هو الذي أدى إلى ازدهارها؟

بالتالي أقول أن المشروع السلفي من الممكن ان ينجح في إيجاد مجتمع أكثر تدينا أو أن ينجح في إلباس النساء للحجاب أو للنقاب أو في تحقيق أمور أخرى تتصف كلها بالشكلية، أما أن ينجح في تطوير مجتمع وإنشاء دولة حديثة، أو دولة تنافس بين الأمم الصاعدة كالهند والصين وكوريا أو التجارب الناجحة في أمريكا اللاتينية، ناهيك عن الغرب، فهذا شيء مستحيل ولا يمكنهم إطلاقا المنافسة في هذا المجال.

 

مرحلة ما بعد السلفية

- صونس بوبليك : إذا ما كان الفكر العقلاني أو العلماني هو الذي سيستلم الراية، فما هو الضامن أن لا تشهد المنطقة الحروب والصراعات التي لشهدتها أوروبا في فترة حروب الأيديولوجيات من النصف الثاني للقرن التاسع عشر وحتى الثمانينيات من القرن العشرين ما بين أنصار الثورة وانصار النظام القديم، أو أنصار الليبرالية وأنصار المحافظة، أو أنصار التقدمية وأنصار الأصولية، أو أنصار الرأسمالية وانصار الشيوعية أو الإشتراكية، أو انصار القومية وأنصار العالمية؟

 - أحمد زايد : صراحة أنا أتحفظ كثيرا في الإجابة على مثل هذه الأسئلة التي تطلب تنبؤات عن المستقبل فأنا حتى عندما أحاول تفسير الماضي أو الحاضر أستخدم كثيرا كلمات مثل "يغلب على ظني" أو "أعتقد أن"، ذلك انني لا أريد أن أتكلم بدوغمائية أو بيقينيات كاذبة، فأنا شخصيا ومن خلال تجربتي الفكرية المحدودة سئمت من اليقينيات، وبالتالي لا أحب أن أتكلم وكأنني عليم أو أنني أدري ببواطن الأمور.

بعد إيضاح ذلك وبعد الإفتراض بأن يتسلم السلطة او قيادة المجتمع تيار مستنير أو علماني أيا كان ذلك التيار، فهذا يعطي أمل بأن نخطو خطوة للأمام، ولكننا نعلم أن هناك صراع أيضا في هذا التيار وأنه فيه حركة وخلافات وسيكون هناك بينهم مشاكل، ونتمنى أن تكون هذه الصراعات خافتة وبأقل مستوى من الخسارة سواء أكان ذلك في الدماء أو في الأموال أو ما شابه.

وبالتالي كان بودي أن أجيب إجابة متفائلة عن هذا السؤال إلا أنني لا أستطيع ذلك. ولكنني أظن أنّ تسلم تيار علماني للسلطة سيكون أفضل بكثير من سيادة التيارات الطائفية والأفكار الماضَويّة لأن الخلافات ستكون أقل ولأن الثمن والحرب سيكونان أقل. ذلك أنّ التيار المستنير أو العقلاني سيدور في فلك المجتمع الدولي الذي لا يريد أن يكرر ما حصل في القرنين الثامن عشر أو التاسع عشر بحذافيره، فالتاريخ قد يتشابه ولكنه لا يعيد نفسه، خصوصا أنّنا اليوم في عالم فيه أقطاب كثيرة (الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والهند والصين)، فإذا كان هناك تيار عقلاني فهو بالضرورة سيتواصل وسيتعلم من التجارب المحيطة به، وهذا قد يكون منتفيا في حال تسلم تيار طائفي للسلطة مثل التيار السلفي، فلا بد أن يأخذنا للخلف لأنه أصلا لا يحترم العالم وينظر إليه على أنه مجموعة من الكفار وبأن تجربتهم لا تفيدنا لا بقليل ولا بكثير وبأنّ ظروف الآخرين مختلفة عن ظروف العالم العربي والإسلامي - مع أنني شخصيا أراها متشابهة جدا -. وبما أنهم يريدون تطبيق نموذج موجود في رؤوسهم فإنّ هذا النموذج سيؤدي بنا إلى كابوس، وسيكون كابوسا حتى على المؤمنين بمشروعهم، نتيجة الخلافات الموجودة في تيار الإسلام السياسي بشكل عام والطائفية الموجودة بالتيار السلفي بشكل خاص.

أما التيار العقلاني المستنير فقد تكون المسألة عنده أقل من ذلك حدة وعنفاً، نتيجة أنه مؤمن بأنه جزء من كلّ، وبأنه جزء من التجربة الإنسانية وبأنه يريد أن يقتدي بتلك التجربة وليس عنده مشاكل جذرية مع الآخر سواء أكان هذا الآخر غربيا أو صينيا او هنديا أو غير ذلك.

وفي تقسيمتي الرباعية لخارطة الدول العربية بين بلاد المغرب ووادي النيل وبلاد الشام وشبه الجزير العربية، أرى أن أكثر الصراعات دموية ستكون في منطقة بلاد الشام - مضافا إليها العراق طبعا -، وما نشهده الآن شاهد على ذلك، والحروب الطائفية ستكون بشعة لأن ملف الدين أو الطائفية حاضر بشدة في هذه المنطقة، وقد تمتد هذه الحروب إلى منطقة الخليج إذا ما علت نبرة الطائفية بشكل أكبر وتكون فعلا حروب ببشاعة ما حصل في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، خصوصا أن هناك بعض النظم التي تكرس فكر الطائفية، وغني عن البيان ذكرها.

في النهاية أقول أنه لا يوجد ضمانة لعدم تكرار تجربة ما يسمى بحروب الأيديولوجيات في أوروبا في القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين في العالم العربي، لكن الاختلاف سيكون في أنه أثناء حروب الأيديولوجيات في أوروبا لم يكن هناك قوى أو أقطاب أخرى غير أوروبا لتقوم بالضغط عليها لإيقاف هذه الحروب، بينما الآن قد يكون من واجب الحضارات الأخرى في العالم إن حدثت مشكلة في حضارة أخرى أن تقوم بالتدخل لإيقاف الصراع وليس تأجيجه، ولعل فكرة الأمم المتحدة هي من يجب أن تلعب هذا الدور خصوصا بعد تطويرها بحيث تكون اكثر ديمقراطية وأكثر قيمية وأكثر إنسانية. وهذا هو المرجو والمُتَطلع إليه في ذهن كل مفكر مهتم ومهموم بالإنسان كإنسان وبالحضارة الإنسانية كحضارة إنسانية واحدة.

 

الثورة المعلوماتية ودورها

- صونس بوبليك : كان تطوير عملية الطباعة على يد جواهانيس جوتنبيرغ في القرن الخامس عشر أثر كبير في نشر الوعي بين الناس. هل تعتقد أنّ الإنترنت وما تقدمه من أدوات نشر من الفيسبوك واليوتيوب وغيره ستسرع في نشر الثورة الفكرية في العالم العربي، أم انها فعلا أهم أداة لنشر هذه الثورة في العالم العربي والإسلامي؟

- أحمد زايد : كنت أقول أن أحد الأسباب الرئيسية للثورات العربية والفكرية يكمن في ثورة الاتصالات والمعلومات، وفي تجربتي المحدودة والصغيرة لو أني كنت أقدم محاضراتي قبل ثورة مواقع التواصل الإجتماعي وكان يحضرها المئات لكنت سأفخر بذلك فخرا شديدا، بينما أنا الآن وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي كاليوتيوب والفيسبوك فإن محاضراتي يحضرها الآلاف من المشاهدين بل قد يصل عدد المشاهدات إلى مئات الآلاف، وإذا ما تحدثنا عن الثورة الفكرية التي حدثت في الغرب تحديدا في عصر التنوير والتي اخذت عشرات او حتى مئات السنين فأنا أرى أننا نستطيع في عالم اليوم أن نقوم بنفس الدور في عدد أقل بكثير من السنوات، فمثلا سقط مبارك في 18 عشر يوما في ثورة 25 يناير، ولو أن هذه الثورة قامت قبل ثورة الانترنت والمعلومات ومواقع التواصل الاجتماعية لكان خبر حدوث مظاهرات في القاهرة مثلا محتاجا لأسابيع ليصل إلى مدينة أصوان، ناهيك عن العالم العربي كله، بينما وبفضل هذه الأدوات كان العالم كله تصله أحداث التحركات الثورية لحظة بلحظة ويوما بيوم، ولعل هذه الأدوات تلعب دورا مسرعا كما في العناصر المساعدة في التفاعلات الكيميائية، وينطبق نفس الشيء على الحركات الفكرية أو الاقتصادية، فإذا ما كان هناك تواصل وتوافر للعلم الكامل كما يقال في علم الاقتصاد عند آدم سميث وغيره فإن هذا يؤدي إلى تسريع الحركة من جهة وإعطاءها القدرة على تصحيح مسارها بشكل أسرع من جهة أخرى. ولعل الباحثين يتوافقون اليوم على تقسيم التاريخ الانساني إلى عصر الصيد وعصر الزراعة وعصر الصناعة ومن ثمّ عصر ثورة المعلومات والاتصالات الذي نعيشه الآن والذي أظن انه سيؤدي حتى إلا تغيير شكل الدولة وتغيير شكل الثورة الثقافية والفكرية وأشياء كثيرة قد لا نكون واعيين لها الآن، فنحن لا نستطيع أن نتخيل أصداء هذه الثورة المعلوماتية، تماما كما أنّ من سبقنا من بشر في عصر الصيد لم يكن باستطاعتهم أن يتخيلوا المنتجات الحضارية للثورة الزراعية مثلا والحضارات العظمى التي نشأت بفضلها، أو عدم قدرة المجتمعات الزراعية على تخيل ما ستقوم به الثورة الصناعية، نحن مثلهم تماماً أمام ما ستقوم به هذه الثورة المعلوماتية. ويجب علينا الأخذ بعين الاعتبار بأن الجيل الجديد من الشباب ليس مثلنا، فلم يكن هناك انترنت ولا فيسبوك ولا يوتيوب في مرحلة شبابنا، بينما الجيل الجديد نشأ كله وهو مُطّلع ومتقن لهذه الأمور.

وبالتالي أقول أن هذه التغيرات في الواقع التكنولوجي والمعلوماتي والاتصالاتي والمواصلاتي ستؤدي إلى تغيرات كيفية وجذرية في الواقع الفكري والاقتصادي والاجتماعي ليس فقط في المجتمعات العربية بل وفي كل المجتمعات في العالم.

 

كلمة للقوى الغربية

- صونس بوبليك : هل هناك من لوم توجهه للقوى الغربية فيما يتعلق بحروبها وتدخلاتها في المنطقة العربية والإسلامية؟ مع العلم أنّ العرب انفسهم كانوا مع التدخل في ليبيا وربما التدخل في العراق وسوريا. وما هي النصيحة التي من الممكن ان تقدمها للحكومات الغربية؟

- أحمد زايد : شكرا جزيلا لك على اختيارك تعبير "القوى الغربية" وعدم استخدامك لتعبير "الغرب". ذلك أن الغرب ليس غربا واحدا - والشرق ليس شرقا واحداً -، وأن المجتمع الغربي فيه العديد من القوى، منها السياسية ومنها الاجتماعية ومنها الإنسانية ومنها الخضر ومنها الليبرالية... الخ. وهذه القوى ينبغي أن تتوجه للعالم العربي بطريقة مختلفة.

ولعل أشد لوم لي على هذه القوى هو أنها لا ترى العالم العربي إلا من خلال المنظور السياسي الإقتصادي أو المنظور الحقوقي في أحسن الأحوال، فهي تتعامل إما مع الحكومات عن طريق المساعدات، والتي تقدم إلى حكومات مستبدة، لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية براغماتية بمعناها السيء وليس بمعناها الفلسفي الجميل - ولعل هذا يقودنا إلى الكلام عن بعض الإشكالات في الديمقراطية الغربية في صورتها الحالية، والتي يتكلم فيها أيضا بعض المفكرين الغربيين انفسهم - وإما عن طريق الجماعات الحقوقية التي تهتم بحقوق الإنسان وتعمل على مراقبة التعذيب والاعتقالات السياسية وغيره، وهذا جميل وجيد، ولكن الغالب هو المساعدات البراغماتية لتحقيق مصالح.

وأذكر أنه تم توجيه سؤال لي في أحد المؤتمرات في ألمانيا وكان عن رأيي في الحكومات الغربية وما تفعله، بالإضافة لتقييمي للتجربة الغربية، فقلت بأنني من أشد المؤيدين لها والمدافعين عنها عندما يتعلق الأمر بشؤونها الداخلية - مع بعض الاختلافات طبعا، كتلك التي تصدر من بقية أبناء الغرب وانتقادهم لحكوماتهم في الملفات الداخلية التي فيها أخذ وردّ -. لكنني من أشد المعارضين لها عندما يتعلق الأمر في تدخلاتها في العالم العربي والإسلامي، لأن هذه التدخلات منحازة لقوى اقتصادية ومصالح مادية بشكل شديد.

وإذا كان لي الحق في النصيحة للقوى الغربية بأشكالها المختلفة من قوى المجتمع المدني بأشكالها الخيرية أو الحقوقية أو الفكرية أو حتى القوى الحكومية أو غيرها، فنصيحتي هي ان يكون لهذه القوى دور في مساعدة العالم العربي في الثورة الفكرية، فمثلا أنا من أشدّ المعجبين بنوع من الأشياء الثقافية التي قد يراها البعض كشيء لا قيمة كبيرة له، ألا وهو الأفلام الوثائقية المترجمة التي تقدمها ناشيونال جيوجرافيك أو بي بي سي، فهذا دور مهم جدا، ولكنه لا يهم السياسيين لأن مردوده يحتاج إلى زمن طويل، ويفضلون الأمور التي تؤتي بثمارها على المستوى المادي والقصير، مما يُفقِد الغرب مصداقيته.

 ويظهر ذلك في ملفات حقوق الإنسان، فهي تتغاضى عن خروقات حقوق الإنسان طالما انها صديقة لنظام ما، ثم ترفع شعار حقوق الإنسان لإسقاط انظمة تراها عدوة لها. وهذه الازدواجية في المعايير مضرة بالقوى الغربية. ونذكر كمثال نظام القذافي مثلا الذي كان يتعامل معه الغرب بشكل براجماتي غير قيمي. على القوى الغربية تجاوز هذه الإشكالية إذا أرادت أن تكون منسجمة مع نفسها ومع القيم التي تدافع عنها مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والديمقراطية - التي هي أيضا بحاجة إلى تعديل، ولكن ليس بأفكار الأصوليات المسيحية او غيرها - وان نحاول ان ندخل القرن الواحد والعشرين بديمقراطية من نوع جديد.

 

داعش

- صونس بوبليك : كلمة عن سوريا وداعش لو سمحت.

- أحمد زايد : لعل ما يحدث في سوريا وظهور داعش هو أحد تجليات الإشكالات الكبيرة التي تحدثنا عنها في السابق. وباختصار شديد، داعش هي أسوأ نموذج من نماذج الإسلام السياسي، النموذج الأكثر قبحا والأكثر شراَ وكرها وتدميرا. والتعامل معه حتى هذه اللحظة هو تعامل براجماتي، بل قد يكون أكثر قبحا من ذلك وان يكون انتهازيا لأكون أكثر دقة، فالمسألة القيمية غائبة.

ومن الممكن أن نطرح سؤالا بسيطاً، أين كان الغرب قبل الربيع العربي؟ وأين كان الغرب قبل تهديد النظام السوري بالانهيار؟ وأين كان الغرب أيام حكم مبارك؟ وأيام حكم معمّر القذافي؟ وأين كان الغرب عندما نشأت القاعدة؟ فنحن نعلم أنها نشأت تحت سمع ورضى النظم الغربية والعربية من أجل التصدي للاتحاد السوفييتي.

الحل هو بالرجوع إلى القيم، ونحن لا نطالب الغرب بأن يتحلى بقيم صينية أو هندية أو عربية، وإنما نطالبه بأن يتحلى بقيمه هو. وأن يعمل على نشرها بشكل حقيقي وليس بشكل استعماري.

وفي النهاية أقول أن داعش، من وجهة نظري، هي علامة أساسية من علامات موت الحضارة العربية الإسلامية.

 

مصائر الشعوب

- صونس بوبليك : في النهاية، هل تعتقد أنّ هناك قواعد من الممكن ان تجمع بين الجماهير في أوروبا والجماهير في العالم العربي والإسلامي؟ وأعني هنا أننا نرى بشكل واضح انّ المتضرر الأكبر من النزاعات هي الشعوب أنفسها، فهل من الممكن أن تفهم هذه الشعوب بشكل مشترك أنّ عليها أن تبحث عن مصالحها وان تضغط على قادتها لإيجاد حلول سلمية للنزاعات وأن تفهم بأنّ مصيرها أصبح مشترك في هذا العالم وأنّ ما يحصل في مكان ما يؤثر بشكل حتمي في مكان آخر بسبب العولمة؟

- أحمد زايد : أوافقك على ما لمحت إليه في سؤالك، بل أنا أرى أن المشتركات ما بين الحضارة العربية والحضارة الغربية أكثر بكثير من باقي الحضارات، ولعل التشابه بين الحضارة الصينية والهندية أقل من التشابه بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية. مع فارق الزمن طبعا، فالحضارة الغربية فيها الآن إشكالات وميزات، والحضارة العربية فيها الآن الكثير من الإشكالات وبعض الميزات، وأعتقد ان هذا مفهوم، وكما قال أستاذنا عبدالرحمن بدوي في أحد كتاباته، فإنّ هناك على ضفتي البحر الأبيض المتوسط حضارتين هما الورثة للحضارات القديمة، ولا أريد ان أفصّل في هذه النقطة وأقول فقط أنّ قمة حضارات العالم القديم هي الحضارة اليونانية التي ورثت حضارات الشرق الأدنى وطورت عليها تطويرا معروفا في التاريخ لدرجة تسميتها بالمعجزة اليونانية في آخر العالم القديم.

هذا هو الجزء الأول في التشابه بين الحضارة الغربية والعربية الإسلامية، بكل ما تحملانه من موروثات سومرية وبابلية وفينيقة ومصرية... الخ.

والجزء الآخر المشترك بيننا وبين إخواننا في شمال المتوسط هو الجزء الإبراهيمي والصراع على تركة إبراهيم، وهو الذي أدى إلى الفتوحات العربية والفتوحات الصليبية أو الغزوات (سموها ما شئتم)، فهذا الصراع ما هو إلى صراع ورثة إبراهيم. والغرب تحرر منه نوعا ما، أما نحن فلم نتحرر منه بعد بشكل كامل، وقد بدء الغرب يفتش في ذاته على المكون اليوناني الروماني وتنميته (مع ما فيه من بقايا للحضارات القديمة التي ذكرناها قبل قليل) في عصر النهضة، ومن ثم تم طوّر الشّق الإبراهيمي عن طريق الإصلاح الديني والرؤيا الحداثية للدين والهيرومنطيقا وما شابهها.

هذا الوعي بالتاريخ المشترك - الغير مصنوع وإنما هو تاريخ حقيقي - لا بد ان نحاول التفكير في كيفية تنميته وكيفية التعلم من بعضنا البعض.

ودورنا كشعوب هو أن نضغط على حكوماتنا أو على مجتمعاتنا لتقوم بتطبيق القيم التي نؤمن بها، وهنا أقول أنني مع أنّ القيم في تقدّم وتطور وتحسن مستمر، وأنّ قيم الأبناء تكون دائما أفضل من قيم الآباء - على الأقل في مستوى التنظير، وبغض النظر عن الممارسات - بعكس من يقولون بأن الأبناء يكونون دائما أسوء من الآباء.

كما أنّ على الشعوب الغربية بشكل خاص أن تضغط على حكوماتها لكي تكون تدخلاتها تدخلات قيمية، حتى تَسعد هي بذاتها، وتُسعد الآخر الموجود على الضفة الأخرى من البحر المتوسط. لأن التدخل القيمي الذي يعبر عن مكنون حضارتك وأيديولوجيتك وأفكارك سيكون له مردود جيد عليك أنت قبل أن ينعكس على الآخر. ولكن عيب هذا الأمر هو أن مردوده يحتاج إلى زمن طويل، على عكس التدخلات الاقتصادية ذات المصالح المادية التي تكون مردوداتها أسرع مما يجعلنا نتخلى عن القيم لصالحها.

إعداد عبدالرحيم عبدالرحيم
مترجم وعضو في صونس بوبليك

 



|